عبد الملك الجويني
333
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإنما اختار هذا ؛ لأن إثبات حكم [ جزئي ] ( 1 ) لاعتقاد افتراق كلي لا يتجه . وهو بمثابة قولنا : لا يحرم على الجنب ذكر الله ، ولا يحرم أيضاً على الحائض ، ولا يجب من افتراقهما في أحكامٍ لا تعلق لها على الاختصاص بما نطلبُه أن يفترقا فيما نحن فيه . ويمكن أن يقال : المسلمون مستوون في المسجد ؛ فإنه بيت الله ، والمؤمنون عباد الله على إضافة التخصيص والتشريف ، والمُحْدِث يصحُّ اعتكافه ، ولا يحرم عليه اللُّبث ، والجنب يحرم عليه الاعتكاف ، فلم يكن من أهل اللُّبث ؛ إذ لو كان من أهله ، لكان من أهل الاعتكاف ، والعبور لا يحرم عليه ؛ فإنه ليس فيه ما يقتضي تحريم العبور ، فلتكن الحائض التي لا يخشى عليها ( 2 ) التلويث كذلك . ثم العبور الذي يتّجه هو على الاعتياد والاقتصاد ؛ فلا نأمره بالإسراع في المشي ، ولعل الضبطَ فيه ألا يعرج في موضع بخط تعريجاً يقضي بأن مثله يكون أقلَّ ما يجزئ في الاعتكاف ، إذا جرينا على أن الاعتكاف شرطه اللّبث . ثم لا نؤاخذ العابر بسلوك أقصد الطرق ، وكيف يُظن هذا ، وله أن يدخل المسجد ابتداءً عابراً ، وإنما يتخيل هذا الفرق على مذهب أبي حنيفة ( 3 ) ، فإنه لا يرى للجنب أن يدخل المسجد ، لكن لو كان فيه ، فاحتلم ، فيخرج . ثم قال : إنه بالخيار إن شاء انتحى أبعد الأبواب ، وإن شاء خرج من السبيل الأقرب . ولكن لا ينبغي للعابر عندنا أن يتردد في أكناف المسجد ، معتقداً أن له أن يمشي ؛ فإن التردد في غير جهة الخروج في حكم المكث . وهذا بيّن . 1119 - وأما الكافر ؛ فإن لم يكن جنباً ، فله أن يدخل المسجد بإذن واحدِ من المسلمين ، وهل له أن يدخل من غير إذن ؟ فعلى وجهين : أحدهما - لا يدخل ؛ فإن الكافر ليس من أهل من يقيم في المسجد ، فكأن المسجدَ يختص بالمسلمين اختصاصَ دار الرجل به .
--> ( 1 ) في جميع النسخ : " جديد " والمثبت مما أفدناه من ( ل ) . ( 2 ) كذا في جميع النسخ ، على التوسع في إنابة حروف الجر بعضها عن بعض ، فإن ( على ) من معانيها المصاحبة . وأما ( ل ) ففيها : " منها " . ( 3 ) ر . حاشية ابن عابدين : 1 / 115 .